3أخطار المرض والتسول وعدم الإندماج.. تحاصر أطفال المهجرين في ذي قار

من حسين إسماعيل حداد

ذي قار- (أصوات العراق)

 
 

قالت الطفلة براء (8 سنوات) وهي تشير إلى مدرستها الجديدة في احد أحياء الناصرية إنها لا تحب هذا المكان وتتمنى أن تغادره بأسرع وقت لكي تعود إلى مدرستها وأصدقائها في بغداد.

قضية براء لا تتعلق بحبها المدرسة والتعليم بقدر ما تتعلق بالأجواء الجديدة التي تعيشها في مكان جديد وجدت نفسها فيه بعيدة عن محيطها الذي نشأت فيه منذ أن نزحت عائلتها إلى الناصرية قبل ثلاثة اشهر بسبب عمليات التهجير الطائفي.

وتكشف دراسة حديثة للباحث عبد الأمير الحمداني مدير مركز البحوث النفسية في ذي قار " أن أطفال العوائل المهجرة النازحة إلى المحافظة يعيشون حياة قاسية ولا زالوا غير مندمجين مع أقرانهم من المجتمع الجديد النازحين إليه."

ومنذ بدء عمليات التهجير الطائفي في مناطق عديدة من العراق بعد تفجير مرقدي الإمامين العسكريين في سامراء في شهر شباط فبراير من العام الماضي تشير آخر الإحصاءات الرسمية إلى إن أكثر من 75 ألف عائلة تم تهجيرها في عموم البلاد.

وفي محافظة ذي قار بلغ مجموع العوائل المهجرة المسجلة لحد الآن 4879 عائلة ، موزعة على أكثر من عشرين منطقة في عموم المحافظة ، ويبلغ مجموع أفرادها 31554 فردا حسب مصدر في دائرة الهجرة والمهجرين بالمحافظة.

والدراسة التي قام بها الباحث الحمداني اعتمدت على عينة مكونة من (950) طفلا وطفلة تترواح أعمارهم من سنة الى 16 سنة وبلغ مجموع الإناث منهم (721) طفلة ، بنسبة (58%) من العينة. فيما بلغ عدد الأطفال الذكور (229) طفلا بنسبة (42%) من العينة ، وكانت نسبة الملتحقين بالمدرسة منهم 61% بعدد بلغ 579 طفلا وطفلة خلال العام الدراسي 2005-2006.

ويقول الحمداني لوكالة أنباء (أصوات العراق) المستقلة "عند زيارة فريق البحث لبعض الأطفال الملتحقين في المدارس اظهر الأطفال رغبة حقيقية وأملا في عودتهم لمدارسهم التي تعودوا عليها ولأصدقائهم ومعلميهم."

وأضاف " كما أكد المعلمون وجود صعوبات تواصلية وتعليمية وتكيفيه أبداها معظم هؤلاء التلاميذ بسبب عدم تكيفهم مع الوضع الجديد."

وتبرز مشكلة أطفال العوائل المهجرة في الظروف التي يواجهها الأطفال في هذه العائلات باعتبارهم الحلقة الأضعف والأكثر تأثرا ، إذ حرم معظمهم من حقوقهم الأساسية في التعليم والرعاية والصحة واللعب والترفيه.

والد الطفلة براء ، أسعد عبد الحسن قال عن وضع العائلات المهجرة في المنطقة التي تسكن معه في زوايا أنقاض المستشفى العسكري القديم شرق المدينة "إنها تعيش ظروفا اقتصادية واجتماعية ونفسية قاسية إنعكست بقسوتها سلبا على حياة الأطفال ، ومنهم براء التي لم تتكيف مع وضعنا ونحن نعيش في غرفتين تنعدم فيهما ابسط وسائل الحياة."

وأضاف والد براء ، وهو سائق سيارة اجرة "لقد تركنا بيتنا وكل ما نملك وجئنا إلى هنا لتبدأ مشكلة صراعنا مع هذه الظروف التعيسة."

وتبين الدراسة زوايا مختلفة من معاناة أطفال المهجرين ،إذ يقول الحمداني " يعيش الأطفال مع أسرهم في حالة لا تمثل أدنى مستوى العيش الإنساني ، حيث بلغت نسبة الاكتظاظ حسب الدراسة (88%)، حيث اعتمد معيار (أكثر من ثلاثة إفراد في الغرفة الواحدة)."

وأوضح أن "الطفل مع هكذا وضع لا يجد له مكانا يشعره بالراحة ويتيح له فرصة اللعب وقد اضطرت معظم العوائل لسكن غرفة واحدة مع أقاربهم أو استأجروا مؤخرة منزل ، غالبا ما تكون غرفة مع ملاحق صحية ، أو يسكنون دور الدولة المدمرة جراء الحرب ، وبعضهم بنوا مساكن بشكل مجاميع عشوائية في مناطق التجاوز لا تتوفر فيها متطلبات السكن اللائق."

وعن تداعيات الظروف المعيشية الصعبة على الأطفال ، أشار الحمداني الى أن " نسبة 72% من الأطفال النازحين للناصرية يعملون في الشارع بأعمال لا تتناسب وعمرهم وهى أعمال متدنية يشعر معها الأطفال بتدني الذات وبأنهم مستغلون اقتصاديا."

وأوضح أن " هذه الأعمال تتنوع بين تنظيف الشوارع،البيع المتجول،الحمالة ،ودفع العربات ،والتحميل والتفريغ ويمضون أكثر من سبع ساعات عمل يوميا."

وتابع " هناك أعمال يمارسها الأطفال تجعلهم في صراع مع القانون مثل بيع الخمور ، حيث وجد إن ما نسبته 7% من الأطفال يبيعون مثل هذه المواد المحظورة اجتماعيا ، كما مارس بعض الأطفال بيع العقاقير ذات الأثر النفسي كالمهلوسات والمسكرات وغيرها بنسبة بلغت 2% من الأطفال."

وأضاف أن لقاءاته الميدانية مع هؤلاء الأطفال أظهرت أنهم اضطروا إلى التعامل بالمواد الممنوعة بعد نزوحهم لمركز المدينة بسبب ما تدره من مداخيل ولأنهم غير معروفين لدى الناس أو الشرطة أو المكاتب الدينية التي تحظر المتاجرة والتعاطي بها.

وشهدت شوارع المحافظة خلال الشهور الأخيرة ازدياد عدد المتسولين ، لاسيما الأطفال والنساء اللاتي يرتدين براقع سوداء على وجوههن ، ولكنهن لا يخفين أنهن من المهجرين إثناء الاستجداء لزيادة حصيلة التسول.

ومن جانبه ، قال رئيس شبكة الحماية الاجتماعية في دائرة الرعاية بذي قار موسى حميد إن "هناك حملات يقوم بها مركز الأطفال المشردين في دائرة الرعاية لتسجيل هؤلاء الأطفال ورصد مرجعياتهم الاجتماعية."

وأضاف "من جانبنا فقد قمنا بتسجيل نحو 1273 عائلة لشمولهم برواتب شبكة الحماية الاجتماعية التي تتراوح بين 50-120 ألف دينار شهريا لغرض إعانتهم على مواجهة تلك الظروف."

وحول فرص الترفيه المتاحة للأطفال المهجرين أشار الباحث الحمداني إلى انه " بسبب إظهار التجنب والانسحاب الاجتماعي لدى ما يقرب من (60%) من الأطفال المهجرين فهم عموما محرومون من اللعب والترفيه لكونهم غير مندمجين مع مجتمع الناصرية بعد ، كما أنهم يشعرون بحرج عندما يطلق عليهم الأطفال الآخرون صفة (نازحين) أو (حواسم) في إشارة إلى الفقراء المتجاوزين على أملاك الدولة."

وتابع " كما بينت الدراسة أن أمراض الدوسنتاريا والإسهال والتيفوئيد والزكام الحاد والربو والتهابات الجهاز التنفسي الحادة ، من أكثر الإمراض حدوثا بين الأطفال، وعزت أسبابها إلى رداءة نوعية مياه الشرب وتدني الشروط الصحية والبيئية لمواقعهم ووحداتهم السكنية التي اضطروا للسكن فيها. "

وذكر " إن نسبة 73% من العوائل لا تستطيع مراجعة عيادات خاصة لغرض المعالجة من الأمراض، وهم بدلا من ذلك يراجعون عيادات حكومية مدعومة الأسعار، يحتاجون لمراجعتها إلى(60-90) دقيقة وتكلفهم اجور نقل تبلغ 5000الاف دينار."

ودعا الحمداني الجهات الحكومية إلى التفكير والعمل الجديين لإنتشال الأطفال من وضعهم المأساوي وحمايتهم من الضياع فكريا واجتماعيا بسبب اضطرارهم للعمل في الشارع نتيجة هذا الوضع ، فضلا عن شمولهم بدعم وحماية اجتماعية خاصة توفر لهم العيش الكريم وتحمي الأطفال من الاستغلال الاقتصادي.

وشاركته في هذه الدعوة الناشطة في مجال حقوق الإنسان الدكتورة هزار صالح التي قامت بتنظيم جولة إنسانية للتعرف على وضع الأطفال في مواقع مختلفة تسكن فيها العوائل المهجرة ، فضلا عن المدارس التي احتضنتهم."

وقالت الدكتورة هزار " نحن بصدد أن ندعو القيادات والجهات المؤثرة في المحافظة إلى ممارسة دورها في التوعية والتثقيف لدعم تلك العوائل وعدم استغلالها في بعض المسائل مثل مسألة السكن وارتفاع بدلات الإيجار ."

ولعل اخطر ما كشفت عنه دراسة الباحث الحمداني عن أطفال العوائل المهجرة ، فضلا عن عمالة الأطفال وتعاطيهم مع قسوة الحياة بشتى السبل ، هو أن ما نسبته 37% من أطفال العينة اضطروا ،تحت ظروف قاسية من المعيشة وسوء التوافق والتكيف مع الوضع الجديد ، إلى ترك مدارسهم ومواجهة الحياة مع باقي أفراد عائلتهم.

وربما تكون الطفلة براء ، قريبا ، واحدة منهم.

 

| الصفحة الرئيسية | أرشيف الاخبار | إتصل بنا |