إعداد: شذى الشبيبي

 

من اروقة المحاكم

 
 
   

اللامسؤولية وجلسات السمرأدت به إلى الطلاق

الصفحة الرئيسية - فهرست العدد 88 - إتصل بنا   

 

(ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة).

تفتح صفحة (من أروقة المحاكم) في كل عدد ملفا لقضايا الزواج والطلاق والتفريق المحسومة منها أو التي لازالت تحت نظر القضاء لتضعه أمام القارىء العزيز مع التحفظ من ذكر الأسماء والمكان.

بما أن رباط الزوجية المقدس ليس بوسعه إلغاء أو توحيد الأمزجة والأذواق المختلفة، فالبيئة المختلفة والتربية المتفاوتة والرؤية المختلفة تقود لا محالة إلى اصطدام الرجل والمرأة وحدوث الاصطدام أمرا لا مفر منه. ولكن المهم جدا هو شعور الرجل والمرأة بحاجتها إلى الحياة المشتركة معا وانهما يفضلان استمرارها، أما إذا لم يتوفر ذلك الشعور فستصبح العلاقة الزوجية ملفا واليكم هذا الملف:

كان موضوع الدعوى المرقمة (.....) أحوال شخصية، دعوى تفريق أقامتها (ن. ك. ج) على زوجها (م. ر. ع) وقد حكم لها بالتفريق بعد عدة جلسات، لم يبدُ شيئ في الملف ملفتا للنظر ولكن أحدهم نبهني أن هناك ملفا آخر في الجنايات يحمل نفس الاسم، فاستعملت فضولي الصحفي واتجهت الى هناك لمعرفة المزيد وكان إحساسي في محله وإليكم ما حصل خارج ملف القضية:

تزوجت المعنية (ن. ك. ج) من (م. ر. ع) بالطريقة التقليدية التي تعوّد عليها مجتمعنا، ولم تكن تعرف عنه شيئا سوى تزكية بعض الأهل والمعارف لأنه من عائلة معروفة وبعد انتقالها إلى بيت الزوجية استغربت علاقاته الواسعة والمتعددة حيث كان البيت لا يفرغ من الأصدقاء وفي أوقات الليل خاصة... تضايقت في البداية ونبهت زوجها من أن هذه الحالة خطأ ويجب أن لا تستمر، أجابها بأن هذا وضعه وعليها أن تعرف ذلك وكي تكون الزوجة المطيعة لزوجها ترضي الله... تكررت شكاوي المعنية حتى تحولت إلى شجارات ليلية بعد مغادرة الرفقة التعبانة ولكن لم يكن يأبه لها لأن نشوة (المذكر) كانت تضرب برأسه وإذا ما ألحت في التوبيخ أسمعها وابلا من الشتائم، وإن لم تسكت فالضرب هو وسيلة الإسكات التي كان يستعملها، ثم يلجأ إلى فراشه يغط بنوم عميق ويتركها لدموعها والويل لو رفعت سماعة الهاتف أو اشتكت لأحد.

في البداية كانت المعنية ورغم صغر سنها (18) سنة تتحفظ من مصارحة أهلها بحقيقة مشكلتها، فأخذ الجميع يلومها بأنها لا تقوم بواجباته الزوجية وحينما وجدت أن التكتم انعكس عليها وأصبحت مذنبة بنظر أهلها وأهل زوجها فضحت أمره وأعلنت للجميع بأنها لم تتضايق من ضيوفه إلا لأنهم يتجمعون في بيتها للتسامر وتعاطي (المنكر)، وعليها أن تقدم ما تلزمه جلسات الفساد وهذا ما لا ترضاه لنفسها ولا يرتضيه الله قبل كل شيء.. وبعد جلسة عائلية جمعت أطرافا من أهلها وأهله، تعهد المعني بأن يكون عند حسن ظنهم رغم أنه لا يستطيع أن يتخلى عن (أصحابه)، وعليه جرى الاتفاق بأن يقلص سهراته إلى مرة في الأسبوع على أن لا يكون لزوجته أي دور سوى تحضير العشاء في حدود المطبخ وهو يتكفل بالباقي.

لم تنته المشكلة عند هذا الحد لأن الغيرة خلق وسجية ومن سقطت غيرته يصعب عليه استرجاعها، وتبعت الجلسة العائلية جلسات وجلسات حصل فيها ما حصل من توتر واصطدامات وشجار تجاوز إلى الأيدي والضرب وكانت النتيجة أن انسحب أهل الزوج لأن الوضع بالنسبة لهم أصبح محرجا وتركوا الزوجة المسكينة للضياع بين زوج مستهتر وأهل يدفعونها للصبر والتصبر لعل الله يهديه لأجل طفلته البريئة.. أما هي فكانت تغلي وتثور أعصابها من أي تصرف منه مهما كان، أصبحت لا تطيق زوجها في كل الأحوال وزاد من ذلك مشاركة أهلها في تأجيج حالتها بأن هذا الرجل لا يصلح لها كزوج وأنه مرفوض اجتماعيا... استولت على رأسها أفكار سوداء مما زاد حدة الخلاف وصعوبة التفاهم بينهما، فأصبحت حياتهم مسلسل من الشجارات والعنف ينتهي مؤقتا بذهاب الزوجة الى أهلها أو أحد أقاربها كي يعود الزوج بعد أيام مشتاقا لابنته فيعتذر ويقبل رأس زوجته ويقدم التعهدات والتبريرات ويأخذها لبيتها كي تقيم فيه أيام وتعود الى أهلها من جديد...

اتسعت المسافة بين الزوجين تمسك هو بعلاقاته الفوضوية وزيادة جلسات الشرب واستضافة أصدقاء السوء ليلا وإجبار زوجته لتجاملهم متجاهلا لكل نوبات الغيرة والشرف التي تنتاب الرجل الشرقي والمسلم بالذات غير آبه للنظرات القذرة والمواقف المبتذلة التي تتعرض لها زوجته، حتى فاض الكيل فاستنجدت بأخيها الأكبر وصارحته بكل ما يحصل إذ كانت مرعوبة من مصير(السقوط) الذي يهددها في أي لحظة. كانت خائفة من نفسها على نفسها. ثارت ثائرة الأخ وعقد مع أخته اتفاقاً بأن الحل الوحيد لها هو الطلاق كي لا تصل إلى النهاية المرعبة، فليس أمامها إلا خيارين أهون ما فيهما أبغض الحلال. أقفلت (ن. ك. ج) رأيها على رأي أخيها رافضة كل الحلول دون دراسة أو تفكير. سيطرت عليها فكرة (التفريق) وامتنعت بوحي من أخيها عن منح نفسها وزوجها جلسة تفاهم ولو قصيرة، بل رفضت حتى رؤيته كفرصة أخيرة.. وكان لها ما أرادت وفازت أخيرا بحكم القضاء بالتفريق..

أعود الى ملف الجنح والجنايات والذي يضم اسم (ن. ك. ج) المدعي عليها المتهمة بالسرقة من قبل المدعي (م. ر. ع)، الدعوى المذكورة مؤرخة بعد واقعة التفريق بشهرين وحيث إن مسألة البيت ومحتوياته لم تحسم لاتساع الخلاف حولها وشهادة الشهود والحكم كان برجوع كل أثاث البيت للزوجة ما عدا غرفة النوم التي اشتراها الزوج، مما حدا بوساطة الخير لحلها وديا فأخذت الزوجة معظم الأثاث وبقي القسم الآخر له وبقي كل منهما محتفظا بمفتاح البيت الخاص به وكل ذهب في طريقه، لم يرد ببالها أنها قد احتفظت بمفتاح اللعنة عليها حتى جاءها تبليغ بإلقاء القبض عليها بتهمة (السرقة) لم يكن أخوها موجودا حينذاك فاضطرت للذهاب الى(المركز) بصحبة الشرطي ترافقها أختها وابنتها ذات الخمس سنوات، وحينما اطلعت على التهمة الموجهة لها تفأجات بان المدعي هو طليقها وأبو ابنتها وأن موضوع السرقة ما هو إلا بعض الأثاث الذي تركته في البيت، وقد أدرج السيد الغيور قائمة بالمسروقات تدل على تفاهة صاحبها وهي (كرسي، طاولة طعام صغيرة، أواني مطبخ، ملاعق وسكاكين، مواد غذائية، (رز+ عدس+ سكر+ دجاجة)، ملابس رجالية وضحت المدعي عليها اللبس الحاصل للشرطة بأن هذا الرجل كان زوجها وان الدعوى كيدية، وبعد أن تفهّم ضابط الشرطة الحالة طلب استدعاء المدعي كي يخلي سبيل المرأة التي شعر بمظلوميتها قبل دخول الليل وانتهاء الدوام الرسمي ولكن لم يعثروا عليه لأنه تعمد الاختفاء ذلك اليوم والسبب واضح كي تبقى المسكينة رهن التوقيف تلك الليلة.

انتشر جميع الأقارب والأصدقاء للبحث عنه ولا من أثر، لم يظهر إلا في الساعة الواحدة والنصف ظهرا من اليوم التالي بعد أن إنهارت (ن. ك. ج) حيث وجدت نفسها في موقف يهدد سمعتها وهي كل ما تملك....

أخيرا حضر المدعي (م. ر. ع) وأمام القاضي أعلن بمنتهى البرود والهدوء وابتسامة صفراء تعلو وجهه بأنه فعل كل هذا نكاية بها وبأخيها لأنها رفضته وهو لازال يحبها ويرغب بالعيش معها. كانت انتكاسة كبيرة لها حيث أخرجت من التوقيف على نقالة إلى المستشفى في حالة انهيار تام..

خلال مطالعتي للقضية وكي لا أكون منحازة وجدت أن الزوج (م. ر. ع) كان لديه الاستعداد لإصلاح وضعه ولو أن هذا الاستعداد ضعيف وغير مشجع ولكن لم تتوفر له الفرصة من كافة الأطراف وأولهم زوجته، لأنها لم تساعده في ذلك لقلة وعيها وعدم تفكيرها بأبعاد ردود أفعالها السريعة حيث اتخذت من أهلها ملاذا تلجأ إليهم للخلاص من جو البيت الذي كرهته مما حدا بالزوج ذي الطبع البارد أن يتمسك بعلاقاته التافهة والتي أدت إلى هدم بيته...

وأخيرا أقول ثلاث كلمات: لو أنها توفرت وتفاعلت في هذه القضية لما أصبحت ملفا من ملفات الأحوال الشخصية وهي (المرونة، المسؤولية، اللا سلبية)، فلو كان الأخ تعامل بمرونة أكثر، ولو كان الزوج تحمل مسؤوليته كرجل بمعنى الرجولة، ولوكانت الزوجة تنازلت عن بعض سلبيتها... لو كان العقل بدل الغضب سيدا للموقف لما حصل كل ذلك.

 تأكدي سيدتي إن الحياة الزوجية خيط تمسكين بطرفه أنت فلا تشديه فينقطع ولا ترخيه فيفلت منك او ينقطع...