|
متى نذكر الله؟ أفي مناسبات الفرح أم في
مناسبات الحزن؟ أم في كليهما؟ وأيها لها الأولوية في ذلك؟
يبدو لي أن مناسبات الفرح أولى بذكر الله
تعالى من مناسبات الحزن - وإن كانت كل الأوقات هي مناسبة لذكر الله
تعالى - ذلك لأن كل إنسان يذكر ربه مجبراً عند الكارثة. ويتوسل إليه في
رفعها، ثم ينساه بعد ذلك..
ولكن القلة هم الذين يذكرون الله على
نعمه، عندما تترى عليهم.. كما يذكرونه عند سلبها منهم. ولا شك أن الله
- تعالى - يحب أن نذكره في حالات الصحة أكثر مما يحب أن نذكره في حالات
المرض، وفي حالات الغنى أكثر من حالات الفقر، وفي حالات الأمان أكثر من
حالات الخوف. ألا يقول الحديث القدسي: ( يابن آدم.. اذكرني في الرخاء،
أذكرك في الشدة).
وصلت إلى هذا المقدار من المقولات
الرائعة- التي يسطرها سماحة السيد هادي المدرسي في كتابه القيم طرق
ـمختصرة إلى المجد - وتوقفت عن القراءة!
أوه لقد أنستني هذه العبارات العظيمة
العهد الذي قطعته لبلقيس!
فطرحت الكتاب جانبا فوق ذلك المكتب
الخشبي الذي تجلس خلفه.. وهمت بلبس حجابها وعباءتها.. أرتدتهم وهي على
عجلة من أمرها.. توجهت نحو السلم وهي تفتح جوالها.. تستلم رسالة نصية
على الفور.. لاشك أنها بلقيس!
وينج يا معودة.. هلكت وآني اخابرج.. هل
نسيتي الموعد..
تحاول الإتصال ببلقيس..
- الو.. بلقيس سلامٌ عليكم..
- وعليكم السلام.. صباح الخير.. صار لي
أكثر من ساعة وأنا أحاول الاتصال بكِ.
- نعم، اعذريني.. لقد كنت منشغلة
بالقراءة فأغلقته لئلا يزعجني.
في السيارة
- مرحبا بالعزيزة..
- لا أتحمل لسانك يا زهراء! تعرفين كيف
تصلحين أخطائك..
- هههههههه
- طيب.. لا تخافي غداً سأوصلك إلى أم رضا
أيضا.. لا داعي للمجاملة يا زهرتي.
- بلقيس.. تتوقعين بماذا تتحفنا في هذه
الليلة؟
- لا أعلم.. ولكن أم رضا.. إبداع دائم..
وتألق مستمر.
في منزل أم رضا
وصلت زهراء وصاحبتها بلقيس إلى المنزل..
وكان المجلس مكتظاً بالحضور الشبابي.. والأمهات.. والأطفال.. فأخذت
أقدامهما باختراق الصفوف المؤمنة إلى أن استقر بهما المكان في وسط
الجمهور.
همست بلقيس في أذن زهراء معاتبة : لقد
تأخرنا كثيراً في الحضور فلم يتبقى شيء على انتهاء المحاضرة.
- حسنا فلنستمع إلى هذه الرواية التي
بصدد ذكرها السيدة الآن.
وأما الروايات الواردة في الترهيب من ترك
إخراج الخمس فهي كثيرة.. أكتفي في هذه الليلة بذكر رواية واحدة لنعرج
على كربلاء ونذكر مصيبة زينب لقضاء الحوائج.
ورد في كتاب الوسائل عن محمد بن زيد قال:
قدم قوم من خراسان على أبي الحسن الرضا عليه السلام فسألوه أن يجعلهم
في حل من الخمس؟ فقال: ما أمحل هذا امحضوننا المودة بألسنتكم وتزوون
عنا حقا جعله الله لنا وجعلنا له لا نجعل لا نجعل لا نجعل لأحد منكم في
حل.
نستفيد من هذه الرواية انه يستحيل أن
يسقط الخمس عن الإنسان العاقل البالغ، فها هو الرضا عليه السلام يقول
لهؤلاء القوم الذين حضروا إليه يودون لو يحلهم من الخمس أي يسقط عنهم
هذا الفرض الواجب.. فماذا كان جوابه عليه السلام؟ قال ما أمحل هذا.. أي
أن هذا الأمر يستحيل أن يكون.
التفتن لي جيداً أخواتي العزيزات..
فإذا كانت في مجلسنا هذا فتاة قد طافت
التاسعة من عمرها ولم تخمس فلتبادر الآن إلى قضاء ما في رقبتها من حقوق
وواجبات لله.. فهذا الحق الشرعي لابد من إخراجه.
في طريق العودة
- زهراء هل تعتقدين بوجود فتاة في هذا
المجلس لا تخمس؟
- عفواً.. ماذا قلتي؟
- ما بكِ؟
- لاشيء.. ولكن ثمة أمر ما يشغلني.. وقد
سرحت وأنا أفكر فيه.!
- حسناً.. كنت أتساءل إذا كان في حضور
هذا المجلس فتاة واحدة لا تخمس؟
- نعم.. نعم.. أنا أقول لاشك أنه يوجد
ولو فتاة واحدة..
- لا أعلم أشعر أن الفتيات اللاتي يحضرن
لأم رضا فتيات مؤمنات لسن بحاجة إلى توعية كهذه!
- أنا لست معكِ.. عدم التزام الفتاة
بالخمس لا يعني أنها فتاة غير مؤمنة.. بل قد يكون الجهل بالحكم الشرعي
هو من منعها عن إخراج ما في ذمتها من أموال.
- لعلك على حق من يدري؟
- بلقيس.. برأيك ِ من المخطأ؟ الفتاة أم
الوالدين؟
- في عدم تعليم فتاتهم أمور دينها؟
- نعم.. نعم.
- الاثنين معاً.. العتب الأكبر يقع على
الوالدين.. ومن ثم يأتي دور الفتاة.. فهي الآن أصبحت يافعة عاقلة
بإمكانها البحث والإطلاع على المسائل الدينية.. كما تبحث عن الأمور
الأخرى التي تريدها.
- معكِ حق....
في المنزل
صعدت زهراء الى غرفتها.. أطفأت الضوء..
وأشعلت لها شمعة كانت موجودة على الطاولة الصغيرة الموضوعة قرب
السرير.. ثم جلست القرفصاء في أحد زوايا الدار.. وأجهشت بالبكاء!
الهي.. العفو.. العفو.. العفو.. العفو..
العفو.. إلى أن انقطع نفسها...
إلهِي أَتَراكَ بَعْدَ الإِيْمانِ بِكَ
تُعَذِّبُنِي، أَمْ بَعْدَ حُبِّي إيَّاكَ تُبَعِّدُنِي، أَمْ مَعَ
رَجآئِي برحمَتِكَ وَصَفْحِكَ تَحْرِمُنِي، أَمْ مَعَ اسْتِجارَتِي
بِعَفْوِكَ تُسْلِمُنِي؟ حاشا لِوَجْهِكَ الْكَرِيمِ أَنْ
تُخَيِّبَنِي، لَيْتَ شِعْرِي، أَلِلشَّقآءِ وَلَدَتْنِي أُمِّي، أَمْ
لِلْعَنآءِ رَبَّتْنِي؟ فَلَيْتَهَا لَمْ تَلِدْنِي وَلَمْ تُرَبِّنِي،
وَلَيْتَنِي عَلِمْتُ أَمِنْ أَهْلِ السَّعادَةِ جَعَلْتَنِي؟
وَبِقُرْبِكَ وَجَوارِكَ خَصَصْتَنِي؟ فَتَقَرَّ بِذلِكَ عَيْنِي،
وَتَطْمَئِنَّ لَهُ نَفْسِي.(مناجاة الخائفين للإمام زين العابدين)
سيدي.. أنا أحسست بالإثم وها أنا تائبة
عائده لك..
كفكفت الدموع المنهمرة لخشية الله
بيدها.. وبادرت بفتح النور لتتصل بصاحبتها بلقيس الو.. بلقيس.. هل لديك
رقم هاتف أحد رجال الدين؟
- نعم
- هل من الممكن أن تعطيني إياه؟
- لماذا؟
- لأمراً خاص.. لا أستطيع أن أقوله لكِ..
اعذريني..
- حسنا.. حسنا..
- هذا هو الرقم (............)
- شكراً جزيلاً.
أغلقت بعدها الهاتف.. وتنهدت قائلة.. يا
إلهي ها أنا صادقة مع نفسي.. وسأخرج الحقوق الشرعية التي لم أخرجها
طوال الأعوام الماضية.. فزودني يا مولاي بالقوة.. لأنتصر على شيطان
نفسي.. إلهي إنك تعلم ما في نفسي.. أنا لم أشأ أن أفضح نفسي عند صاحبتي
فلا تفضحني.. وأنت الستار الغفار. |