اعداد : مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث

www.shrsc.com

 

المرأة

 
 
   

المرأة في منظومة الامام الشيرازي

الصفحة الرئيسية - فهرست العدد 85 - إتصل بنا   

 

إن الحقيقة التي لا يستطيع أحد أن يعترض عليها، ولا أن ينال من جلائها هي أن الإسلام قد أعطى المرأة من الحقوق ما لم تكن تحلم هي شخصياً به، ونستطيع بكل بساطة ويُسرٍ أن نحدِّد موقع المرأة على خريطة المفاهيم القرآنية والآداب النبوية لندرك من خلال ذلك أن الإسلام في جوهره قد أعطى المرأة جوَّاً من القداسة، ليس لأنها إنسان ولها حق الحياة والوجود، بل لأنه رأى فيها المشروع العظيم الذي تنتظره البشرية جمعاء، ولم يكرّم القرآن الكريم المرأة المؤمنة من خلال ذكر مريم (ع) فقط، بل كرَّم أيضاً العديد من النساء المؤمنات اللواتي نذرن أنفسهن من أجل مرضاة الله والعمل الصالح والاجتهاد في طلب الخير.
وستبدو هذه النقطة الحساسة من موضوعنا أكثر تشويقاً وفائدة لو شرحنا موقف الإسلام الحنيف من المرأة على ضوء البنية المعرفية للمرجع الديني الأعلى آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي (قدس سره). وأرى من الواجب علينا أن نستشهد بأقواله وأن ندرس وجهات نظره تجاه المرأة لأكثر من سبب. فالسبب الأول هو أن الإمام الشيرازي من سلالة شجرة طيبة أغنت الإسلام والمسلمين بالكثير من الرجال الذين تركوا أبلغ الأثر في الفكر الإسلامي الأصيل. والسبب الثاني، هو أن سماحته له من العلوم والمعارف المبثوثة في أن سماحته يمثل المرآة الصافية التي تعكس فكر أهل البيت (ع) في كل ما يتعلق بالجوانب والمستويات العديدة للحياة. ولذلك نقول إن سماحته، من خلال فكره النيِّر والموسوعي، هو الأقدر على نقل وجهة النظر الإسلامية تجاه قضية بالغةِ الحساسية، ألا وهي قضية المرأة في الإسلام.
من هنا نرى أن أحد أبرز الممثلين للتيار الإسلامي المنفتح على الحضارة وعلى إستراتيجية الفكر العقلاني الملتزم، وقد تبنى مشروع الارتقاء بالمرأة المسلمة إلى مستوى المسؤولية وإلى مستوى الدور المناط بها كعضو فعال في احتضان الأجيال وتنشئتها النشأة السوية تحت ظل المظلة الإسلامية ومن أبرز النقاط التي تميز مشروع الإمام الشيرازي هي تلك النقطة القائمة على عملية المقارنة بين المرأة وحقوقها في الإسلام، وبين واقع المرأة وحقوقها المزيفة في ظل المدنية الغربية. ويرى سماحته (قدس سره) أن المرأة (لم تحصل على أقل حقوقها في الغرب، وكل ما حصلت عليه من المساواة هو ابتذالها وجعلها في متناول الأيدي بغية الحصول عليها بسهولة لمن أراد ذلك، حالها حال بقية المعروضات، بل قد تفضلها بعضُ تلك المعروضات... وغاية ما حصلت عليه هو إهانتها). ولا شك في أن هذا الكلام صحيح تماماً، لأن المرأة في الغرب تدرك تماماً أن الحقوق التي حصلت عليها ما هي إلا بمثابة وبمكانة المساحيق التجميلية التي تضعها الفتاة على وجهها، وبالتالي فإن هذه الحقوق عبارة عن أوهام حقوقٍ وزيف تحرُّر لا تُغني عن الحق شيئاً. ونستطيع بكل بساطة أن نؤكد كلام الإمام الشيرازي من خلال ما يكتبه أهل الفكر الغربي عن واقع المرأة عندهم.
أن فكر الإمام الشيرازي قد تجاوز الكثير من الرواسب العالقة في عقول البعض بشأن سلب المرأة أنوثتها وعزلها عن دورها الأساسي في مسيرة الحياة. ففي الوقت الذي يرى فيه بعض المنظرين أنه لا مانع للمرأة من أن تؤدي دور الرجل في حركته الاجتماعية، يرى الإمام الشيرازي أن المرأة التي تتشبه بالرجال ما هي في حقيقة الأمر إلا امرأة عجزت عن أن تصبح رجلاً وعجزت في أن تعود لتصير أنثى بعد أن فشلت في محاولتها الأولى للانتقال إلى مستوى تمثيل دور الرجل.
إذاً، فنظرية الإمام الشيرازي في المرأة تؤكد على أن تشبُّه النساء بالرجال هو غير مساواتهن لهم، ويؤكد سماحته على هذه النقطة الهامة بقوله: (فأن تكون المرأة مسترجلة هو شيءٌ مستهجن، وعلى النساء أن يرفضنه حتى لو فُرض عليهن فرضاً، لأن ذلك يعني أن نفرض على المرأة ما لا يناسبها ولا ينسجم مع عواطفها وخلقتها، ونفصلها عن شخصيتها التي تعتز بها، وتتقمص شخصية أخرى لا تلائمها ولا تحقق لها رغباتها). وبناءً على هذا الكلام، فإن سماحة الإمام الشيرازي يريد أن يردم الهوّة التي تفصل بين المرأة ودورها في ممارسة النشاطات الحياتية المتنوّعة، ويريد أيضاً أن يخلّص المرأة من الغُربتين اللتين تعاني منهما المرأة في مجتمع المدنية الغربية، أي غربة الكيان الوجودي وغربة الضياع الروحي. ومهما حاول الغرب أن يهرب من هذه الحقائق، فإنه لا يستطيع أن ينطلق بعيداً عنها لأنها تعيش معه وبداخله وتتفاعل مع انفعالات أبنائه النفسية بشكل مخيف ومربك منذ ما يسمونه هم بالعصر الحديث – أي بداية الثورة الفرنسية – وحتى الآن.
وهذه النقطة الهامة لم تغب عن فكر الإمام الشيرازي أبداً، بل رأى أن الإسلام قد حفظ للمرأة كامل حقوقها مثلما حفظ حقوق الرجل تماماً، ورأى سماحته من خلال قوله تعالى: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ)، أن بعض المستثنيات في الحقوق بين المرأة والرجل هي في مصلحة كليهما معاً، فالمرأة هي الأم والرجل هو الأب، وهذا لا يعني الظلم بحق أحدهما، بل هو المناسب تماماً لخلقتهما وعواطفهما وطبيعة دوريهما في حركة الحياة.
غير أن نظرة الإمام الشيرازي للمرأة لم تتوقف عند هذا الحد، بل تجاوزته إلى المساواة في ضرورة اكتساب العلوم والمعارف. نعم، من الطبيعي أن يكون عمل المرأة الأول تربية الأطفال والاهتمام بشؤون المنزل الداخلية، ولكن هذا لا يعني أن تبقى المرأة جاهلة وحبيسة دارها دائماً وأبداً، بل على المرأة الصالحة أن تعمل، وبكل الوسائل الشرعية المتاحة، على طلب العلم واكتسابه، ومن ثم تعليم أطفالها وأبنائها هذه العلوم والآداب لأن المرأة بنظر الإمام الشيرازي (كالعالم والفيلسوف فلو قارنا بينه وبينها في العمل لكانت خدمتها للمجتمع لا تقل درجة عن خدمة العالم له، فالعالم وظيفته إعداد الجيل، والمرأة وظيفتها إعداد الجيل أيضاً، وهي أشرف وظيفة وأقدس عمل).
وقد أتبع الإمام الشيرازي هذا النهج القويم في أسلوب التعامل مع المرأة، واعتبر أن الظلم الذي يقع عليها فإنما هو ظلم يقع على المجتمع بأكمله. وقد أعلن سماحته في أكثر من مناسبة وفي العديد من مؤلفاته، وأجوبته للاستفتاءات الموجَّهة إليه أنه (لا يجوز حبس المرأة بمعنى السجن والتضييق والإيذاء، ويلزم أن تبتعد عن الاختلاط غير المشروع بالرجال في الأسواق والمحلات التجارية والرياضية ونحوها، ولا مانع من خروجها لطلب العلم وصلة الأرحام وأداء دورها الاجتماعي وما أشبه ذلك مع مراعاة الموازين الاسلامية.
ومن هنا ندرك كيف أن الإمام الشيرازي يتحرك في خطِّه الرسالي من خلال تفعيل طاقاته الفكرية ووضعها في خدمة الإنسان بعد رسم الخطوط التفصيلية الواضحة لحركة ودور (الرجل) و (المرأة) في تيار تفاعلاتهما اليومية دون إلغاء هذا الطرف أو ذاك.
ومن خير الأمثلة التي ضربها لنا الإمام الشيرازي عن هذه الحقيقة، وعن الدور الرسالي الذي يمكن للمرأة أن تلعبه من أجل استمرار الخط الجهادي في الحياة واستنهاض روحانية الإنسان، هو ذلك المثال المتعلق بالسيدة زينب (ع) تجاه مواقف أخيها الإمام الحسين (ع). فالإمام الحسين (ع) قد اعتمد على أخته زينب (ع) اعتماد السنابل العطاش على رحمة السماء من أجل خلقِ الأجيال القادمة التي ستجاهد في سبيل ذات الهدف الذي سعى إليه الإمام الحسين (ع) على طول مسيرة حياته الشريفة إلى أن انتهت تلك الحياة بشكل بطولي على رمال كربلاء.
وقد أكد الإمام الشيرازي على أن الإمام الحسين (ع) (قد أعدَّها – أي زينب (ع) – لما بعد واقعة الطف، وعوَّل عليها في إكمال دوره في ثورته)
إذاً، فالمرأة المثالية عند الإمام الشيرازي هي تلك التي تضحي بأعز ما تملك – حتى ولو كانت الضحية جنينها الذي بين أحشائها – في سبيل رفع لواء الكرامة الإنسانية تحت شمس الحقيقة المحمدية. فالزهراء وزينب وخديجة (ع) هُنَّ الاختزال الحقيقي لمفهوم المرأة التي شاءها الله أن تكون على الأرض أماً وأختاً وابنةً ذات بُعدٍ رسالي وخط جهادي يتماهى مع الصراط المستقيم الذي تمثله مدرسة أهل البيت (ع) عموماً خير تمثيل.